صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

18

شرح أصول الكافي

شدة الظهور والنورية منها وقصور المدارك والعقول منا ، فكلما كان منها أقوى نورا وأشد ظهورا كان أكثر غيبة وأشد استتارا ، وكلما كان منا أكثر تعلقا بالجسمانيات وأشد اشتغالا واستيناسا بعالم الظلمات فهو أكثر بعادا وأوفر احتجابا عنها . وقوله : تاهت في أدنى ادانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور ، معناه : ان العقول التي تطمح ابصار بصائرها في الأمور اللطيفة الفكرية إذا بلغت إلى أدنى ادانى الأنوار الغيبية وانزل منازلها ، فإنها تتيه وتضطرب ذاتها فيه كما تضطرب عيون الخفافيش في أدنى ادانى الأشعة الشمسية لضعف نور الأحداق وقوة الاشراق ، ولما بيّن عليه السلام قصور الالفاظ عن أداء نعته وحمده وقصور العقول عن فهم وصفه وثنائه فجعل نفس هذا القصور والعلم بتعاليه عن بلوغ أعالي العقول إليه وتعاظمه عن درك غواص الفطن فيما لديه بمنزلة المدح له والثناء . وهذا كما ورد ان مثل هذا الخاطر خطر لداود وكذلك لموسى عليهما السلام في باب الشكر فقال : يا رب كيف أشكرك وانا لا أستطيع ان أشكرك الا بنعمة أخرى وشكري لك نعمة أخرى ، فأوحى الله تعالى إليه : إذا عرفت هذا فقد شكرتنى ، ولذلك وصفه عليه السلام بقوله : فتبارك الّذي لا يبلغه بعد الهمم ، اى الهمم البعيدة والقصود العالية ، ولا يناله غوص الفطن ، اى الفطن الغائصة ، وأكثر هذه الإضافات على هذا الوجه واسناد الغوص إلى الفطن على سبيل الاستعارة ، إذ الحقيقة اسناده إلى الحيوان بالنسبة إلى الماء وهو مستلزم لتشبيه العلوم العقلية بالماء . ووجه الاستعارة هاهنا : ان صفات الجلال ونعوت الكمال في عدم تناهيها والوصول إلى حقائقها وأغوارها تشبه البحر الخضم الّذي لا يصل السابح له إلى الساحل ولا ينتهى الغائص فيه إلى قرار ، وكان السابح لذلك البحر والغائص في تياره هي الفطن الثاقبة لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر ، فاسند الغوص إليها ، وفي معناه الغوص في الفكر ، ويقرب منه اسناد الادراك إلى بعد الهمم إذ كان الادراك حقيقة يستعمل في لحوق جسم لجسم اخر . ثم وجه الحسن في إضافة بعد الهمم وغوص الفطن ، وقد مر انه من باب إضافة الصفة بلفظ المصدر إلى الموصوف دون ان يقال كما هو الأصل الهمم البعيدة و